جلال الدين الرومي

581

المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي )

نفسه بحل عقد الشباك ، وإعادة ربطها ، فحُرم بذلك من الغياض والمروج ، وضاع عمره في معالجة العقد . فمثل هذا الطائر العنيد يتكسر جناحاه من معاناة العقد ، وهو في حقيقة الأمر لا يصل إلى شئ من مراده ، لأن الشباك تبقى موجودة برغم جهوده . وهكذا حال من أضاع حياته في الجدل والنظر الخاوي من الشعور ، فهو يعيش أسير الجدل ، ولا يتحقق له حل المعضلات . ( 3738 - 3739 ) أقلل من هذا الصراع الذي لا جدوى منه ، وإضاعة الجهد في أمور لا يتحقق من روائها شئ سوى العناء . فهذا الصراع المرير ، المبنى على الحيلة والذكاء ، لم يق الانسان مما يخشاه من العوارض والمخدورات . ولقد أقعده انشغاله بمثل هذا الصراع عن التحليق في آفاق الروح الفساح . ( 3740 ) ان الدهاء والحذر والعمل على مغالبة القضاء ، كلها لا تمكن المرء من الخلاص مما قدر له . ويستهشد الشاعر على ذلك بقوله تعالى : « وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص » . ( 50 : 36 ) . ومما هو جدير بالانتباه هنا أن الشاعر لا يدعو إلى الاستسلام وترك الجهد ، وانما هو يدعو إلى احساس الروح بسلطان الخالق ، وابتعاد الانسان عن الظن بأن في وسعه أن يصنع لفنسه شيئا لا يريده له الله . وهذا هو التوكل بمعناه الروحي ، الذي عبر عنه ابن عربى بقوله : « انه اعتقاد القلب على الله ، مع عدم الاضطراب عند فقد الأسباب الموضوعة في العالم . ( الفتوحات المكية ، ج 2 ، 264 ) . ( 3743 ) « أيها المتنازعون المتصارعون كالطيور التي تصطرح على القوت . ليتكم استمعتم إلى نداء الله بأرواحكم ، كما يستع الباز إلى دعاء المليك حين يقرع له الطبل ، اذن لا ستجبتم جميعا لهذا النداء ، وزوال كل ما بينكم من أسباب الفرقة والصراع » .